الشنقيطي
149
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بين تعالى المراد بمفاتح الغيب بقوله : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 34 ) [ لقمان : 34 ] فقد أخرج البخاري وأحمد وغيرهما عن ابن عمر ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « أن المراد بمفاتح الغيب الخمس المذكورة في الآية المذكورة » ؛ والمفاتح الخزائن جمع مفتح بفتح الميم ، بمعنى المخزن ، وقيل : هي المفاتيح جمع مفتح ، بكسر الميم ، وهو المفتاح وتدل له قراءة ابن السميقع . مفاتيح بياء بعد التاء جمع مفتاح ، وهذه الآية الكريمة تدل على أن الغيب لا يعلمه إلا اللّه ، وهو كذلك ، لأن الخلق لا يعلمون إلا ما علمهم خالقهم جل وعلا . وعن عائشة رضي اللّه عنها ، قالت : « من زعم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على اللّه الفرية » ، واللّه يقول : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [ النمل : 65 ] أخرجه مسلم « 1 » واللّه تعالى في هذه السورة الكريمة أمره صلى اللّه عليه وسلم أن يعلن للناس أنه لا يعلم الغيب ، وذلك في قوله تعالى : قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [ الأنعام : 50 ] . ولذا لما رميت عائشة رضي اللّه عنها بالإفك ، لم يعلم ، أهي بريئة أم لا حتى أخبره اللّه تعالى بقوله : أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ [ النور : 26 ] . وقد ذبح إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عجله للملائكة ، ولا علم له بأنهم ملائكة حتى أخبروه ، وقالوا له : إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ ( 70 ) [ هود : 70 ] ، ولما جاؤوا لوطا لم يعلم أيضا أنهم ملائكة ، ولذا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ( 77 ) [ هود : 77 ] يخاف عليهم من أن يفعل بهم قومه فاحشتهم المعروفة حتى قال : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ( 80 ) [ هود : 80 ] ولم يعلم خبرهم حتى قالوا له : إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ [ هود : 81 ] الآيات . ويعقوب عليه السلام ابيضت عيناه من الحزن على يوسف ، وهو في مصر لا يدري خبره حتى أظهره اللّه خبر يوسف . وسليمان عليه السلام مع أن اللّه سخر له الشياطين والريح ما كان يدري عن أهل مأرب قوم بلقيس حتى جاءه الهدهد ، وقال له : فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ( 22 ) [ النمل : 22 ] الآيات . ونوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ما كان يدري أن ابنه الذي غرق ليس من أهله
--> ( 1 ) كتاب الإيمان حديث 287 .